السعيد شنوقة

421

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

غير ممكن ؛ فإنه لا يبقى لاستحالة تكليف المستحيل وجه ، وهو جائز عقلا وكذا شرعا ، يدل عليه أن الله عز وجل أمر ( أبا لهب ) بأن يصدّق النبي صلى اللّه عليه وسلم ويؤمن به في كل ما أخبر به ، ومما أخبر به كذلك أنه لا يؤمن به . أليس هذا جمعا بين نقيضين ؟ ومن ثم ألم يرد في القرآن الكريم الاستعاذة من تكليف ما لا طاقة لنا به رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] ، فلو لم يكن هذا ممكنا لما ساغت الاستعاذة منه « 1 » . ويعتمد الزمخشري على العقل على أساس قاعدة مذهبه في التحسين والتقبيح عند الآية : وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ النحل : 90 ] مبينا أن « الفواحش ما جاوز حدود الله والمنكر ما تنكر العقول » « 2 » إلا أن المنكر عند أهل السنة ما أنكره الشرع إذا الشرع عندهم هو الذي يحسن ويقبح « 3 » . أما المعتزلة فلا يخلو فعل الله تعالى عندهم من غرض وصلاح للخلق لأنه تعالى خلق العالم لعلة وغاية هي النفع والإحسان ، فهو تعالى عالم حكيم والحكيم لا بفعل فعلا إلا لعلة وغرض ، وهو يتعالى ويتقدس عن الأغراض وعن الضرر والانتفاع ؛ لذا فرعاية الصلاح في فعله تعالى عندهم واجبة وذلك لنفي العبث في الحكم عن حكمته ولإبطال السفه عنه في خلقه وصنعته . ويبدو أن هذا هو الذي يضمنه الزمخشري قوله عند الآية : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [ العنكبوت : 44 ] بالحق : « أي بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل ، وهو أن تكون مساكن عباده وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته » « 4 » . ولما كان المعتزلة يبنون على استحقاق العقاب ومنافاته للثواب إحباط الطاعات بالمعاصي ؛ لذا رأى جمهورهم ومعهم الخوارج « 5 » أن كبيرة واحدة تحبط جميع

--> ( 1 ) انظر كتاب الإرشاد ، ص 94 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 425 . ( 3 ) انظر تفسير القرطبي ، ج 2 ، ص 210 . ( 4 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 207 . ( 5 ) انظر النيسابوري ( أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد ( ت 478 ه ) ، الغنية في أصول الدين ، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ، مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية ، بيروت ، 1987 م ، ط 1 ، ص 170 - ، 171 والإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ج 3 ، ص 501 - 502 - 503 .